الغزالي
152
إحياء علوم الدين
بالمواساة في المال ، فأحيه من حيث إن في طبعه طلب الراحة في الدنيا والسعادة في الآخرة فهو وسيلة إليهما ، فهو محب في الله وليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجل حظا البتة ، إذ الدعاء أمر به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، فيه جمع بين الدنيا والآخرة ومن ذلك قولهم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة . وقال عيسى عليه السلام في دعائه اللهم لا تشمت بي عدوى ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتى لديني ولا تجعل الدنيا أكبر همى . فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا . ولم يقل ولا تجعل الدنيا أصلا من همى بل قال لا تجعلها أكبر همى . وقال نبينا صلَّى الله عليه وسلم في دعائه [ 1 ] اللَّهمّ إنّى أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا والآخرة « وقال اللَّهمّ [ 2 ] عافني من بلاء الدّنيا وبلاء الآخرة وعلى الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى ، فحب السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا ، كيف يكون مناقضا لحب الله ! والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين ، إحداهما أقرب من الأخرى . فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ، ولا يحبها اليوم ! وإنما يحبها غدا ، لأن الغد سيصير حالا راهنة . فالحالة الراهنة لا بد أن تكون مطلوبة أيضا . إلا أن الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها ، وهي التي احترز عنها الأنبياء والأولياء ، وأمروا بالاحتراز عنها ، وإلى ما لا يضاد ، وهي التي لم يمتنعوا منها ، كالنكاح الصحيح ، وأكل الحلال ، وغير ذلك . فما يضاد حظوظ الآخرة فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه ، أعنى أن يكرهه بعقله لا بطبعه ، كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته ، لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ، ولا يستلذه لو أكله ، فإن ذلك محال ولكن على معنى أنه يزجره عقله عن الإقدام عليه ، وتحصل فيه كراهة الضرر المتعلق به والمقصود من هذا أنه لو أحب أستاذه لأنه يواسيه ويعلمه ، أو تلميذه لأنه يتعلم منه ويخدمه وأحدهما حظ عاجل والآخر آجل ، لكان في زمرة المتحابين في الله . ولكن بشرط